هذا الفرق بيينا وبين التربية الحديثة الغربية في الغالب عندما نسمع شكوى عن شاب أو فتاة في مرحلة المراهقة ويكون الجواب (أنه مراهق)، فهل يعنى هذا أن المراهق معذور مهما عمل، ومن أين جاءتنا فكرة أن المراهق معذور وليس مسؤول؟ وكأن هذه المرحلة العمرية طبيعي فيها التمرد والعناد والتنمر والتخريب والتدخين والهروب والعصيان واتلاف المرافق العامة والضحك على الناس وتكوين عصابات للسرقات، هل هذه السلوكيات هي طبيعية في مرحلة المراهقة؟ وهل المراهق معذور أم مسؤول؟ إن المراهق مسؤول وليس معذور، ولكنه يتمرد ويتشيطن إذا لم يتلقى تربية جيدة من صغره، فإذا كبر يريد أن ينتقم من والديه أو من مجتمعه، فالمشكلة ليست في مرحلة المراهقة وإنما في تربيته من الصغر وفي من هو قدوته بالحياة، كلنا نعرف أن المراهقة مرحلة تجمع بين الطفولة والنضج، وأن الشخصية تتشكل لتكون مستقلة، أما أن نعذره إذا أخطأ بسبب الحالة النفسية التي يمر بها، أو التغيير الجسدي والهرموني الذي يرافق هذه المرحلة، فهذا تبرير غير صحيح لأن عقله يمكن أن يضبط سلوكه وإيمانه يمكن أن يضبط انحرافاته، فابراهيم عليه السلام عندما كسر الأصنام ويوسف عليه السلام عندما امتنع عن الحرام كانا بعمر المراهقة، وأعرف الكثير من الشباب والفتيات مروا بهذه المرحلة بسلام، فأين التغيير الهرموني والتغيير النفسي لم يأثر بهم، أم أنها شماعة علقتها التربية الحديثة الأجنبية على أخطاء المراهقين وانحرافاتهم إن المراهق لا يعفى من المسؤولية طالما أن عقله برأسه وأنه ليس مجنونا أو نائما، وطالما أنه بلغ ووصل لسن الرشد فهو مسؤول، فإذا كان الله تعالى يحاسبه على جميع أعماله فمن باب أولى أن تتم محاسبته عندما يخطأ، ولا نقول إنه مراهق معذور بل هو مسؤول والعقاب ينبغي أن يكون تربويا لا انتقاميا، مع التركيز على التعليم من الخطأ إذا ارتكبه، ونستطيع أن نساعده على تحمل مسؤولية أخطائه بأننا نقول له أنت مسؤول ونعطي له مساحة من الحرية حتى عندما يخطأ يتعلم من خطأه، فلا يكرره مرة أخرى ونكون قريبين منه لمساعدته لأن خبرته بالحياة ما زالت ضعيفة، وأهم خطوة لابد أن نركز عليها أن نعزز عنده الجانب الإيماني، فكلما قويت علاقته بربه كلما استقام أكثر وصلح أمره، لأنه يستشعر بأن الله يراقبه وليس والديه، فالمراهق يحتاج لتوجيه دون الغاء شخصيته، ويحتاج لتربية بالحب وليس بالعنف، ويحتاج حوار وليس أوامر، ويحتاج أن نصادقه لا أن نتركه، ويحتاج أن نعلمه لا أن نهمله، ويحتاج أن نعتمد عليه لا أن يكون مخدوما، ويحتاج أن نحمله المسؤولية لا أن ندلعه، ويحتاج أن نعطيه فرصة لاتخاذ بعض القرارات بالحياة لا أن نغلق أنفاسه ونتحكم، ويحتاج قدوة لا التوجيه العنيف، ويحتاج أن نكون صادقين معه لا نغشه أو نكذب عليه حتى يصارحنا بأخطائه، ويحتاج مساحة ليخطئ ويتعلم لا رقابة خانقة تجعله يتمرد أو يخفى أخطائه فكرة اعذار المراهقين بشكل عام جاءت من عدة نظريات أجنبية تدعوا لمراعاتهم، مثل نظرية التطور المعرفي لجان بياجيه، ونظرية التطور النفسي الاجتماعي لإريك إريكسون، ونظرية تطور الدماغ وهي دراسات في علم الأعصاب الحديثة، ونظرية التعلق لجون بولبي، ونظرية التعلم الاجتماعي لإلبرت باندورا وغيرها، فكل هذه النظريات تدعوا إلى فكرة أن المراهق غير ناضج ولابد من مراعاته، وأنه لا ينظر له على اعتبار أنه مسؤول 100% لقلة خبرته ونضجه، وأنه معذور جزئيا وليس مسؤولا كاملا، وهذا يختلف عن نظرتنا وتربيتنا كمسلمين لهذه المرحلة العمرية، فلا تغشينا التربية الحديثة وتصرفنا عن تربيتنا الإسلامية، ونقول ختاما بأن المراهق مسؤول وليس معذور
